أصحاب الفيل
((قصص قرآنية))
ذكر المفسرون والمؤرخون هذه القصة بأساليب مختلفة واختلفوا في سنة وقوعها. لكن أصل القصة متوافرة1 (ذو نواس) ملك اليمن اضطهد نصارى نجران قرب اليمن كي يتخلوا عن دينهم2. بعد هذه الجريمة نجا من بين النصارى رجل اسمه (دوس) وتوجه إلى قيصر الروم الذي كان على دين المسيح، وشرح له ما جرى.
و لما كانت المسافة بين الروم واليمن بعيدة، كتب القيصر إلي النجاشي(حاكم الحبشة) لينتقم من (ذو نواس) لنصارى نجران، وأرسل الكتاب بيد القاصد نفسه.
جهز النجاشي جيشاً عظيماً يبلغ سبعين ألف محارب بقيادة (أرياط) ووجهه إلى اليمن. وكان (أبرهة) أيضاً من قواد ذلك الجيش. اندحر(ذون نواس) وأصبح (أرياط) حاكماً على اليمن، وبعد مدة ثار عليه أبرهة وأزاله من الحكم وجلس في مكانه. بلغ ذلك النجاشي، فقرر أن يقمع (أبرهة). لكن (أبرهة) أعلن استسلامه الكامل للنجاشي ووفاء له. حين رأى النجاشي منه ذلك عفا عنه وأبقاه في مكانه.
كنيسة لا نظير لها
و(أبرهة) من أجل أن يثبت ولاءه، بنى كنيسة ضخمة جميلة غاية الجمال، لا يوجد على ظهر الأرض مثلها آنذاك، وقرر أن يدعو أهل الجزيرة العربية لان يحجوا إليها بدل الكعبة، وينقل مكانة الكعبة إلى ارض اليمن.أرسل أبرهة الوفود والدعاة إلى قبائل العرب في أرض الحجاز، يدعونهم إلى حج كنيسة اليمن، فأحس العرب بالخطر لارتباطهم الوثيق بمكة والكعبة ونظرتهم إلى الكعبة على أنها من آثار إبراهيم الجليل عليه السلام تذكر بعض الروايات أن مجموعة من العرب جاؤوا خفية وأضرموا النار في الكنيسة وقيل إنهم لوثوها بالقاذورات، ليعتبروا عن اعتراضهم على فعل أبرهة ويهينوا معبده.
لم العجلة يا أبرهة؟
غضب أبرهة وقرر أن يهدم الكعبة هدماً كاملاً، للانتقام ولتوجيه أنظار العرب إلى المعبد الجديد، فجهز جيشاً عظيماً كان بعض أفراده يمتطي الفيل، واتجه نحو مكة. عند اقترابه من مكة بعث من ينهب أموال أهل مكة، وكان بين النهب مائتا بعير لعبد المطلب. بعث أبرهة قاصداً إلى مكة وقال له: ابحث عن كبير القوم وقل له إن أبرهة مللك اليمن يدعوك. أنا لم آت لحرب، بل جئت لأهدم هذا البيت، فلو استسلمتم، حقنت دماؤكم.
أنا رب الإبل جاء رسول أبرهة إلى مكة وبحث عن شريفها فدلوه على عبد المطلب، فحدثه بحديث أبرهة، فقال عبد المطلب، نحن لا طاقة لنا بحربكم، وللبيت رب يحميه.
ذهب عبد المطلب مع القاصد إلى النجاشي، فلما قدم عليه جعل النجاشي ينظر إليه وراقه حسنه وجماله وهيبته، حتى قام من مكانه احتراماً وجلس على الأرض واجلس عبد المطلب إلى جواره لأنه ما أراد أن يجلس عبد المطلب على سرير ملكة ثم قال لمترجمه اسألهما حاجتك؟ قال عبد المطلب: نهبت إبلي فمرهم بردها علي.
فاندهش أبرهة و قال لمترجمه: قل له إنه احتل مكاناً في قلبي حين رأيته، والآن قد سقط من عيني.أنت تتحدث عن إبلك ولا تذكر وهي شرفك وشرف أجدادك، وأنا قدمت لهدمها؟! قال عبد المطلب: أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه؟! عاد عبد المطلب إلى مكة، وأخبر أهلها أن يلجئوا إلى الجبال المحيطة بها. وذهب هو وجمع معه إلى جوار البيت ليدعو فأخذ حلقة باب الكعبة وأنشد أبياته المعروفة:
لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبداً محالك
جروا جميع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك ولا هم المرء يمنع رحله فامنع عيالك
وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك
ثم لاذ عبد المطلب وجمع من قريش بإحدى شعاب مكة وأمر أحد ولده أن يصعد على جبل(أبو قيس) ليرى ما يجري. عاد الابن مسرعاً إلى أبيه وأخبره أن سحابة سوداء تتجه من البحر(البحر الأحمر) إلى أرض مكة. استبشر عبد المطلب وصاح: (يا معشر قريش ادخلوا منازلكم فقد أتاكم الله بالنصر من عنده).
من جانب إلى جانب، توجه أبرهة راكباً فيله المسمى (محموداً) مع جيشه الجرار مخترقاً الجبال ومنحدرا إلى مكة، لكن الفيل أبى أن يتقدم، أما حينما يوجهوه نحو اليمن يهرول، تعجب أبرهة من هذا وتحير.
وفي هذه الأثناء وصلت طيور قادمة من جانب البحر كأنها الخطاطيف وهي تحمل حجراً في منقارها وحجرين في رجلها، بحجم الحمصة، وألقوها على جيش أبرهة، فأكلتهم. وقيل: إن الحجر كان يسقط على الرجل منهم فيخترقه ويخرج من الجانب الآخر.
ساد الجيش ذعر عجيب، فهلك منه من هلك، وفر منه من استطاع الفرار، وصوب اليمن، وكانوا يتساقطون في الطريق. (أبرهة) أصيب بحجر، وجرح، فأعيد إلى صنعاء عاصمة ملكه، وهناك فارق الحياة. وقيل: إن مرض الحصبة والجدري شوهد لأول مرة في أرض العرب في تلك السنة. وقيل: إن أبرهة جاء بفيل واحد كان يركبه واسمه محمود. وقيل بل ثمانية أفيال، وقيل: عشرة، وقيل: اثني عشر.
وفي هذا العام ولد رسول الله صلى الله عليه واله حسب الراوية المشهورة، وقبل إن بين الحادثتين ارتباطا. على أي حال فإن أهمية هذه الحادثة الكبرى بلغت درجة تسمية ذلك العام بعام الفيل وأصبح مبدأ تاريخ العرب.
المعجزة (للبيت رب يحميه)
القرآن الكريم يذكر هذه القصة الطويلة في عبارات قليلة قصيرة قارعة، وفي غاية الفصاحة والبلاغة، ويركز على نقاط تساعد على تحقيق الأهداف القرآنية المتمثلة في إيقاظ المتعنتين المغرورين وبيان ضعف الإنسان أمام قدرة الجبار المتعال.
هذه الحادثة تبين أن المعجزات والخوارق لا تستلزم- كما ظن بعض- وجود النبي والإمام، بل تظهر في كل ظرف يشاء الله فيه أن تظهر. والهدف منها إظهار عظمة الله سبحانه وحقانية دينه.
هذا العقاب العجيب يختلف عما نزل من عقاب على أمم أخرى مثل طوفان قوم نوح، وزلزال قوم لوط وإمطارهم بالحجارة، وصاعقة قوم ثمود، فهذه سلسلة حوادث طبيعية يتمثل إعجازها في حدوثها في تلك الظروف الخاصة.
أما قصة إبادة جيش أبرهة بحجارة من سجيل، ترميها طير أبابيل وليست كالحوادث الطبيعية. تحليق هذه الطيور الصغيرة، واتجاهها نحو ذلك الجيش الخاص ورميه بالحجارة التي تستطيع أن تهشم أجساد جيش ضخم... كل تلك أمور خارقة للعادة. ولكنها- ما نعلم – ضئيلة جداً أمام قدرة الله تعالى. الله الذي خلق داخل هذه الحجارة قدرة ذرية لو تحررت لولدت انفجاراً هائلاً، لقادر على أن يجعل في هذه الحجارة خاصية تستطيع أن تحول جيش أبرهة عصف مأكول.
لسنا في حاجة لأن نذهب إلى ما ذهب إليه بعض المعاصرين في تفسير هلاك جيش أبرهة بمكروبات وباء الحصبة والجدري أو أن نقول إن هذه الحجارة كانت ذرات متكافئة أزيلت الفراغات بينها فأصبحت ثقيلة للغاية، وقادرة على أن تخترق الأجساد.
كل هذه تبريرات تستهدف إعطاء صفة طبيعية لهذه الحادثة. ولسنا بحاجة إليها. ولم يخبرنا القرآن بأكثر من ذلك، وليس الأمر بمعتذر أمام قدرة الله سبحانه وتعالى.
أشد الجزاء بأبسط وسيلة
يلاحظ أن هذه القصة تتضمن بيان قدرة الله أمام المستكبرين والطغاة على أفضل وجه... ولعل العقاب الذي حل بأبرهة وجيشه لا يبلغه عقاب إذ على أثره تهشم جيش وتحول إلى عصف مأكول. ثم إن إبادة هذا الجيش الجرار بكل ما كان يمتلكه من قدرة وشوكة كانت بواسطة أحجار صغيرة وبواسطة طيور صغيرة كالخطاطيف. وفي هذا تحذير وإنذار لكل الطغاة والمستكبرين في العالم ليعلموا مدى ضعفهم أمام قدرة الله سبحانه.
وقد يوكل الله سبحانه أداء هذه المهام الكبرى لموجودات أصغر مثل الميكروبات التي لا ترى بالعين المجردة لتتكاثر وتتناسل في مدة وجيزة وتصيب أمماً قوية بالأوبئة المختلفة كالطاعون وتبيدهم خلال مدة قصيرة.
(سد مأرب) العظيم في اليمن كان وسيلة لعمران كبير ومدينة عظيمة وقوية لقوم سبأ، وحين طغى هؤلاء القوم، جاء أمر إبادتهم عن طريق فأر صحراوي أو عدد من الفئران فثقبت السد واتسع الثقب تدريجياً بالماء وتحطم السد العظيم، واكتسح الماء كل ما بناه القوم واغرق الأفراد أو شردهم إلى كل حدب وصوب متفرقين حيارى، وهذه من مظاهر قدرة الله سبحانه.
من جهة أخرى هذه الحادثة اقترنت بولادة رسول الله(ص) وكانت ممهدة للبعثة المباركة، وإرهاصاً من إرهاصات بزوغ فجر الإسلام.
والقصة من ناحية ثالثة تهديد لكل طغاة العالم، من قريش وغير قريش ليعلموا أنهم لا يستطيعون أبداً أن يقاوموا أمام قدرة الله تعالى فما أجدر بهم أن يعودوا إلى رشدهم ويخضعوا لأمر الله ويستسلموا بالحق والعدل.
ثم هي من جانب رابع تبين أهمية هذا البيت الكبير. الأعداء الذين استهدفوا هدم الكعبة، ونقل مركزية هذا الحرم الإبراهيمي إلى مكان آخر، قد واجهوا من العذاب ما أصبح عبرة للأجيال وما زاد من أهمية هذا المركز المقدس.
ومن جهة خامسة هذه الحادثة تؤكد مشيئة الله سبحانه في جعل هذا الحرم آمناً استجابة لدعوة إبراهيم الخليل عليه السلام.
حادثة تاريخية قطعية
حادثة أصحاب الفيل كانت من الأهمية والشهرة بين العرب بحيث جعلوها مبدأ للتاريخ. والقرآن الكريم بدأ الحديث (ألم تر) مخاطباً نبيه(ص) الذي لم ير هذه الحادثة. وهي دلالة على قطعية وقوع الحادثة.
أضف إلى ذلك أن النبي- حين تلا هذه الآيات على المشركين- لم ينكر عليه أحد، ولو كان أمراً لاعترضوا عليه، ولسجل المؤرخون هذا الاعتراض كما سجلوا سائر الاعتراضات.
* تفسير الأمثل / اية الله مكارم الشيرازي _ سورة الفيل.
1- نحن نذكرها استناداً إلى الروايات المعروفة في (سيرة ابن هشام) و(بلوغ الأرب) و(بحار الأنوار) و(مجمع البيان) بتلخيص.
2- ذكر القرآن قصة هذا الاضطهاد في موضوع أصحاب الأخدود في سورة البروج.
المحارق البشرية
((قصص قرآنية))
يقول القرآن الكريم في سوره البروج الآية 4: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾.
إن (الأخدود) هو الشق العظيم في الأرض أو الخندق وهو هنا إشارة إلى تلك الخنادق التي ملأها الكفار ناراً ليردعوا فيها المؤمنين عن إيمانهم والرجوع إلى ما كانوا عليه من كفر وظلال.
ولكن متى حدث هذا؟ في أي قوم؟ وهل حدث مرّة واحدة أم لمرّات؟ في منطقة أم مناطق؟
جرى بين المفسرين والمؤرخين مخاض طويل بخصوص الإجابة عن هذه الأسئلة.
والمشهور: أنّه أشار إلى قصه (ذو نواس) وهو آخر ملوك (حِميَر) في أرض (اليمن) وكان (ذو نواس) قد تهودّ، واجتمعت معه حمير على اليهودية، وسمى نفسه (يوسف) وأقام على ذلك حيناً من الدهر ثم أُخبر أنّ (بنجران) شمال اليمن بقايا قوم على دين النصرانية، وكانوا على دين عيسى عليه السلام وحكم الإنجيل،فحمله أهل دينه على أن يسير إليهم ويحملهم على اليهودية،ويدخلهم فيها، ثم عرض عليهم دين اليهودية والدخول فيها، فأبوا عليه، فجادلهم وحرص الحرص كله، فأبوا عليه وامتنعوا من اليهودية والدخول فيها، واختاروا القتل، فاتخذ لهم أُخدوداً وجمع فيه الحطب،وأشعل فيه النّار فمنهم من أُحرق بالّنار، ومنهم من قُتل بالسيف، ومُثّل بهم كل مثله، فبلغ عدد من قُتل وحُرق بالنّار عشرين ألفا.
وأضاف بعض آخر: إن رجلاً من بني نصارى نجران تمكّن من الهرب، فالتحق بالروم وشكا ما فعل (ذو نواس) إلى قيصر.
فقال قيصر: أنّ أرضكم بعيدة، ولكنّي سأكتب كتاباً إلى ملك الحبشة النصراني وأطلب منه مساعدتكم.
ثمّ كتب رسالته إلى ملك الحبشة، وطلب منه الانتقام لدماء المسيحيين التي أُريقت في نجران، فلماّ قرأ الرسالة تأثر جداً، وعقد العزم على الانتقام لدماء شهداء نجران.
فأرسل كتائبه إلى اليمن والتقت بجيش (ذو نواس)، فهزمته بعد معركة طاحنه، وأصبحت اليمن ولاية من ولايات الحبشة.
وذكر بعض المفسرين: إنّ طول ذلك الخندق كان أربعين ذراعاً وعرضه اثني عشر ذراع، (وكل ذراع يقرب من نصف متر، وأحيانا يقصد به ما يقرب من متر كامل).
وقيل: إنهّا كانت سبعة أخاديد وكل منها بالحجم الذي ذكرناه.
وقد تبين مما ذكرناّه بأن العذاب الإلهي قد أصاب أولئك الذين قاموا بتعذيب المؤمنين،وانتقم منهم في دنياهم جراء ما هدروا من دماء زكيه بريئة، وأنّ عذاب نار الآخرة لفي انتظارهم.
وأوّل من اوجد المحارق البشرية في التاريخ هم اليهود وسرت هذه الممارسة الخبيثة على أيدي الطواغيت والمجرمين، حتى شملت اليهود أنفسهم كما حدث في ألمانيا النازية حينما أُحرق جمع كبير من اليهود في محارق هتلر كما هو مشهور، فذاقوا (عذاب الحريق) في دنياهم قبل آخرتهم.
كما أصاب الخزي والعذاب (ذو نواس اليهودي) وهو مؤسس هذا الأسلوب القذر من الجريمة. والذي ذكرناه هو ما أشتهر بين أرباب التاريخ والتفسير من قصة أصحاب الأخدود.
* المصدر:قصص القرآن / لآية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي.
أصحاب القرية
((قصص قرآنية))
قصّة رسل أنطاكية
(أنطاكية) واحد من أقدم مدن الشام التي بنيت-على قول البعض-بحدود ثلاثمائة سنة قبل الميلاد. وكانت تعد من أكبر ثلاث مدن روسية في ذلك الزمان من حيث الثروة والعلم والتجارة.
تبعد (أنطاكية) مائة كيلو متر من مدينة حلب، وستين كيلو متر عن الإسكندرية.
فتحت من قبل (أبو عبيدة الجراح) في زمن الخليفة الثاني.
أحتلها الفرنسيون بعد الحرب العالمية الأولى، وحينما أراد الفرنسيون ترك الشام ألحقوها بالا راضى التركية خوفا على أهالي أنطاكية من أن يمسهم سوء بعد خروجهم لأنهم نصارى مثلهم.
(أنطاكية) تعتبر بالنسبة للنصارى كالمدينة المنورة بالنسبة للمسلمين، المدينة الثانية في الأهمية بعد بيت المقدس، التي ابتدأ المسيح عليه السلام منها دعوته، ثم هاجر مع من آمن بالمسيح عليه السلام -بولس وبرنابا- إلى أنطاكيا ودعو الناس هناك إلي المسيحية، وبذا انتشرت المسيحية هناك.
أولا: يقول القرآن الكريم في بيان قصة هؤلاء القوم: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ وبعد ذلك العرض الإجمالي العام، ينتقل القرآن إلي تفصيل الأحداث التي جرت فيقول: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾. أما من هؤلاء الرسل هناك أخذ ورد بين المفسرين، بعضهم قال: إن أسماء الاثنين (شمعون) و(يوحنا) والثالث (بولس) وبعضهم ذكر أسماء أخرى لهم.
وكذلك هناك أخذ ورد أنهم رسل الله تعالى، أم أنهم رسل المسيح عليه السلام ولا منافاة مع قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ اذ أن رسل المسيح أرسله الله تعالى أيضا، مع أن ظاهر القرآن ينسجم معه التفصيل الأول وان كان لا فرق بالنسبة إلي النتيجة التي يريد أن يخلص إليها القرآن الكريم.
الآن ننظر ماذا كان رد فعل هؤلاء القوم الضالين قبال دعوة الرسل، القرآن الكريم يقول: أنهم تعللوا بنفس الأعذار الواهية التي يتعذر بها الكثيرين من الكفار دائما في مواجهة الأنبياء، ﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ﴾.
فإذا كان مقررا إن يأتي رسول من قبل الله تعالى، فيجب أن يكون ملكا مقربا وليس إنسانا مثلنا. هذه هي الذريعة التي تذرعوا بها لتكذيب الرسل وإنكار نزول التشريعات الإلهية، والمحتمل أنهم يعرفون أن جميع الأنبياء على مدى الزمن كانوا من نسل آدم، من جملتهم إبراهيم الخليل عليه السلام، الذي عرف برسالته، ومن المسلم انه كان إنسانا، وناهيك أن منه هل يمكن لغير الإنسان إن يدرك حاجات الإنسان ومشاكله وآلامه.
على كل حال فان هؤلاء الأنبياء لم ييأسوا جراء مخالفة هؤلاء القوم الضالين ولم يضعفوا، وفي جوابهم ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ومسؤوليتنا إبلاغ الرسالة الإلهية بشكل واضح وبين فحسب.
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾
من المسلم به أنهم لم يكتفوا بمجرد الادعاء، أو القسم بأنهم من قبل الله، بل إن مما يستفاد من التعبير (البلاغ المبين) إجمالا إنهم اظهروا دلائل و معاجز تشير إلي صدق ادعائهم وإلا فلا مصداقية (للبلاغ المبين) اذ إن البلاغ المبين يجب أن يكون بطريقة تجعل من اليسر للجميع أن يدركوا مراده، وذلك لا يمكن تحققه إلا من خلال الدلائل والمعجزات الواضحة.
وقد ورد في بعض الروايات أن هؤلاء الرسل كانت لهم القدرة على شفاء بعض المرضى المستعصي علاجهم - بإذن الله- كما كان لعيسى عليه السلام.
لنرجمنكم:إن الوثنيين لم يسلموا أمام ذالك المنطق الواضح وتلك المعجزات، بل أنهم زادوا في عنفهم للمواجهة، وانتقلوا من مرحلة التكذيب إلي مرحلة التهديد والتعامل الشديد ﴿الُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾.
ويحتمل حدوث بعض الوقائع السلبية لهؤلاء القوم، أو كالإنذارات الإلهية لهم، وكما نقل بعض المفسرين فقد توقف نزول المطر عليهم مدة، ولكنهم لم يعتبروا من ذلك، بل أنهم اعتبروا تلك الحوادث مرتبطة ببعثة هؤلاء الرسل. ولم يكتفوا بذلك، بل أنهم أظهروا سوء نواياهم من خلال التهديد الصريح والعلني وقالوا: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وهنا رد الرسل بمنطقهم العالي على هذيان هؤلاء: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم﴾.
فإذا أصابكم سوء الحظ وحوادث الشؤم، ورحلت بركات الله عنكم، فان سبب ذلك في أعماق أرواحكم، وفي أفكاركم المنحطة وأعمالكم القبيحة المشئومة وليس في دعواتنا، فها أنتم ملأتم دنياكم بعبادة الأصنام وأتباع الهوى والشهوات، وقطعكم عنكم بركات الله سبحانه وتعالى.
وفي الختام قال الرسل لهؤلاء ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾.
فان مشكلتكم هي الإسراف والتجاوز، فإذا أنكرتم التوحيد وأشركتم فسبب ذلك هو الإسراف وتجاوز الحق، فإذا أصاب مجتمعكم المصير المشئوم فسبب ذلك الإسراف في المعاصي والتلوث بالشهوات، وأخيرا ففي قبال الرغبة في العمل الصالح تهددون الهادفين إلي الخير بالموت، وهذا أيضا بسبب التجاوز والإسراف.
المجاهدون الذين حملوا أرواحهم على الأكف!!
يشير القرآن إلي جانب آخر من جهاد الرسل الذي وردت الإشارة إليه في هذه القصة. والإشارة تتعلق بالدفاع المدروس للمؤمنين القلائل وبشجاعتهم في قبال الأكثرية الكافرة المشركة.. وكيف وقفوا حتى الرمق الأخير متصدين للدفاع عن الرسل.
﴿وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾.
هذا الرجل الذي يذكر أغلب المفسرين أن اسمه (حبيب النجار) هو من الأشخاص الذين قيض لهم الاستماع إلي هؤلاء الرسل والأيمان وأدركوا بحقانية دعوتهم ودقة تعليماتهم وكان مؤمنا ثابت القدم في إيمانه، وحينما بلغه بأن مركز المدينة مضطرب ويحتمل أن يقوم الناس بقتل هؤلاء الأنبياء أسرع وأوصل نفسه إلى مركز المدينة ودافع عن الحق بما استطاع بل انه لم يدخر وسعا في ذلك.
التعبير بـ(رجل) بصورة النكرة يحتمل انه إشارة إلى انه كان فردا عاديا، ليس له قدرة أو إمكانية متميزة في مجتمع، وسلك طريقه فردا وحيدا. وكيف أنه نفس الوقت دخل المعركة بين الكفر والأيمان مدافعا عن الحق.
التعبير بـ(أقصى المدينة) يدلل على أن دعوة هؤلاء الأنبياء وصلت إلى النقاط البعيدة من المدينة، وأثرت على القلوب المهيأة الأيمان، ناهيك عن أن أطراف المدن عادة تكون مراكز للمستضعفين المستعدين أكثر من غيرهم لقبول الحق والتصديق به، على عكس ساكني مراكز المدن الذين يعيشون حياة مرهفة تجعل من الصعب قبولهم لدعوة الحق. والآن لننظر إلى هذا الرجل المجاهد، بأي منطق وبأي دليل خاطب أهل المدينة.
فقد أشار أولا إلى هذه القضية ﴿اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ فتلك القضية بحد ذاتها الدليل الأول على صدق هؤلاء الرسل، فهم لا يكسبون من دعوتهم تلك أية منفعة مادية شخصية، ولا يريدون منكم مالا ولا جاها ولا مقاما وحتى أنهم لا يريدون منكم أن تشكرونهم. والخلاصة: لا يريدون منكم أجرا ولا شيء آخر. ثم يضيف: إن هؤلاء الرسل كما يظهر من محتوى دعوتهم وكلامهم إنهم أشخاص مهتدون ﴿وَهُم مُّهْتَدُون﴾.
ثم ينتقل إلي ذكر دليل آخر على التوحيد الذي يعتبر عماد دعوة هؤلاء فيقول: ﴿وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾، فان من هو أهل لأن يعبد هو الخالق والمالك والوهاب وليس الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، الفطرة السليمة تقول: يجب أن تعبدوا الخالق لا تلك المخلوقات التافهة.
وبعد ذلك ينبه إلى إن المرجع والمآل إلي الله سبحانه فيقول ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ﴾ ثم يقول ذلك المؤمن المجاهد بالتأكيد والتوضيح أكثر: إني حين أعبد هذه الأصنام وأجعلها شريكا الله فاني سأكون في ضلال بعيد ﴿إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ فأي ضلال أوضح من أن يجعل الإنسان العاقل تلك الموجودات الجامدة جنبا إلي جنب خالق السماوات والأرض!! وعندما انتهى هذا المؤمن المجاهد المبارز من استعراض تلك الاستدلالات والتبليغات المؤثرة أعلن لجميع الحاضرين ﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾.
موقف الناس من المؤمن المضحي:
لكن لننظر ماذا كان رد فعل هؤلاء القوم إزاء المؤمن الطاهر القرآن لا يصرح بشيء حول ذلك، ولكن يستفاد من طريقة الآيات التالية بأنهم ثاروا عليه وقتلوه.
نعم فان حديثه المثير والباعث على الحماس والمليء بالاستدلالات القوية الدامغة، والملفتات الخاصة والنافذة إلي القلب، ليس لم يكن لها الأثر الايجابي في تلك القلوب السوداء المليئة بالمكر والغرور فحسب، بل إنها على العكس أثارت فيها الحقد والبغضاء وسعرت فيها نار العداوة، بحيث أنهم نهضوا إلي ذلك الرجل الشجاع وقتلوه بمنتهى القسوة والغلظة. وقيل أنهم رموه بالحجارة، وهو يقول: اللهم أهد قومي، حتى قتلوه. وفي رواية أخرى أنهم وطئوه بأرجلهم حتى مات.
ولقد أوضح القرآن الكريم الحقيقة بعبارة جميلة مختصرة هي ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ﴾ وهذا التعبير ورد في خصوص شهداء طريق الحق في آيات أخرى من القرآن الكريم ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
والجدير بالذكر والملاحظة أن هذا التعبير يدلل على أن دخوله الجنة كان مقترنا باستشهاده شهادة هذا الرجل المؤمن، بحيث أن الفاصلة بين الاثنين قليلة إلي درجة أن القرآن المجيد بتعبيره اللطيف ذكر دوله بدلا عن شهادته، فما أقرب طريق الشهداء إلي السعادة الدائمة!!
على كل حال فان روح ذلك المؤمن الطاهر، عرجت إلي السماء إلي جوار رحمة الله وفي نعيم الجنان، وهناك لم تكن له سوى أمنية واحدة ?قال يا ليت قومي يعلمون يا ليت قومي يعلمون بأي شيء ?بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين. وفي حديث عن الرسول صلى الله عليه واله فيما يخص هذا المؤمن انه نصح لهم في حياته وبعد موته.
وعلى كل حال فقد كان هذا مآل هذا الرجل المؤمن المجاهد الصادق الذي أدى رسالته ولم يقصر في حماية الرسل الإلهيين، وأرتشف في النهاية كأس الشهادة، وقفل راجعا إلي جوار رحمة ربه الكريم.
نهاية عمل أنبياء ثلاثة:
مع أن القرآن الكريم لم يورد شيئا في ما انتهى إليه عمل هؤلاء الثلاثة من الرسل الين بعثوا إلي هؤلاء القوم، لكن جمعا من المفسرين ذكروا أن هؤلاء قتلوا الرسل أيضا إضافة إلي قتلهم ذلك الرجل المؤمن، وفي حال أن البعض الآخر يصرح بان هذا الرجل الصالح شاغل هؤلاء القوم بحديثه وبشهادته لكي يتسنى لهؤلاء الرسل التخلص ممل حيك ضدهم من المؤامرات والانتقال إلي مكان أكثر أمنا.
عاقبة القوم الظالمين رأينا كيف أصر أهالي مدينة أنطاكية على مخالفة الإلهيين والآن لننظر ماذا كانت نتيجة عملهم القرآن الكريم يقول في هذا الخصوص: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاء وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ فلسنا بحاجة إلي تلك الأمور وأساسا فأنه ليس من سنتنا لأهلاك قوم ظالمين أن نستخدم جنود من السماء لان إشارة واحدة كانت كافية للقضاء عليهم جميعا وإرسالهم إلي ديار العدم والفناء، إشارة واحدة كانت كافية لتبديل عوامل حياتهم ومعيشتهم إلي عوامل موت وفناء وفي لحظة خاطفة تقلب حياتهم عاليها سافلها.
ثم يضيف تعالى ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.
هل أن تلك الصيحة كانت صدى صاعقة نزلت من الغيوم على الأرض وهزت كل شيء ودمرت كل عمران موجود وجعلت القوم من شدة الخوف والوحشة يستسلمون للموت أو إنها كانت صيحة ناتجة عن زلزلة خرجت من قلب الأرض فضجت في الفضاء بحيث أن موج انفجارها اهلك الجميع.
أيا كانت فإنها لم تكن سوى صيحة لم تتجاوز اللحظة الخاطفة في وقوعها، صيحة أسكتت جميع الصيحات، هزة أوقفت كل شيء عن التحرك وهكذا قدرة الله سبحانه وتعالى، وهكذا هو مصير قوم ضالين لا ينفع فيهم.
قصة رسل أنطاكية في تفسير مجمع البيان:
(الطبرسي) أعلى الله مقامه في تفسير مجمع البيان يقول: قالوا بعث عيسى رسولين من الحواريين إلى مدينة أنطاكية، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو (حبيب) صاحب (يس) فسلما عليه.
فقال الشيخ لهما: من أنتما ؟
قالا: رسولا عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن.
فقال: أمعكما آية.
قالا: نعم، نحن نشفي المريض ونبرى الأكمه والأبرص بإذن اله.
فقال الشيخ: إن عندي ابنا مريضا صاحب فراش منذ سنين.
قالا: فانطلق بنا إلي منزلك نتطلع حاله، فذهب بهما فمسحا أنبه فقام في الوقت بإذن الله صحيحا، ففشا الخبر في المدينة وشفى الله على يديهما كثيرا من المرضى.
وكان لهم ملك يعبد الأصنام فانتهى الخبر إليه، فدعاهما فقال لهما: من أنتما قالا: رسولا عيسى، جئنا ندعوك من عبادة مالا يسمع ولا يبصر إلي عبادة من يسمع ويبصر.
فقال الملك: ولنا اله سوى آلهتنا.
قالا: نعم، من أوجدك وآلهتك.
قال: قوما حتى أنظر في أمركما، فأخذهما الناس في السوق وضربوهما.
وروي إن عيسى عليه السلام بعث هذين الرسولين إلى أنطاكية فأتيا ولم يصلا إلي ملكها وطالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله فغضب الملك وأمر بحبسهما، وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، فلما كذب الرسولان وضربا، بعث عيسى (شمعون صفا) رأس الحواريين على أثرهما لينصرهما، فدخل شمعون البلدة متنكرا فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلي الملك فدعاه ورضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات يوم: أيهما ملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلي غير دينك فهل سمعت قولهما. قال الملك حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فان رأى الملك دعاهما حتى نتطلع ما عندهما فدعاهما الملك.
فقال: لهما شمعون: من أرسلكما إلي هاهنا.
قالا: الله الذي خلق كل شيء لا شريك له.
قال: وما آيتكما.
قالا: ما تتمناه.
فأمر الملك أن يأتوا بغلام مطموس العينين وموضع عينه كالجبهة.فما زال يدعوان حتى انشق موضع البصر بندقتين من الطين فوضعاها في حدقتيه فصارا مقلتين يبصر بهما، فتعجب الملك.
فقال شمعون للملك: أرأيت لو سألت إلهك حتى يصنع صنيعا مثل هذا فيكون لك ولإلهك شرفا فقال الملك: ليس لي عنك سر، إن إلهنا الذي نعبده لا يضر ولا ينفع.
ثم قال الملك للرسولين: إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به وبكما.
قالا: إلهنا قادر على كل شيء.
فقال الملك: إن هاهنا ميتا مات من سبعة أيام لم ندفنه حتى يرجع أبوه وكان غائبا فجاءوا بالميت وقد تغير وأروح، فجعلا يدعوان ربهما علانية، وجعل شمعون يدعو ربه سرا، فقام الميت وقال لهم: إني قد من منذ سبعة أيام وأدخلت في سبعة أودية من النار وأنا أحذركم مما أنتم فيه، فآمنوا بالله فتعجب الملك.
فلما علم شمعون إن قوله أثر في الملك، دعاه إلي الله فآمن وآمن من أهل مملكته قوم وكفر آخرون.
ونقل (العياشي) في تفسيره مثل هذه الرواية عن الأمام الباقر والصادق عليهما السلام مع بعض التفاوت... ولكن بمطالعة الآيات السابقة، يبدو من المستبعد أن أهل تلك المدينة كانوا قد آمنوا، لان القرآن الكريم يقول ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾. ويمكن أن يكون هناك أشباه في الرواية من جهة الراوي.
* قصص الأنبياء /اية الله مكارم الشيرازي.
عطله يوم السبت وعصيان بني إسرائيل
((قصص قرآنية))
إنّ جماعه من بني إسرائيل كانوا يعيشون عند ساحل أحد البحار (والظاهر أنه ساحل البحر الأحمر المجاور لفلسطين) في ميناء يسمى (أيله) (والذي يسمى الآن بميناء ايلات) وقد أمرهم الله سبحانه وتعالى على سبيل الاختبار والامتحان أنّ يعطلوا صيد الأسماك في يوم السبت،ولكنهم خالفوا هذا التعليم،فأصيبوا بعقوبة موجعة ومؤلمه نقرأ شرحها في القرآن الكريم.
في البداية يقول سبحانه: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾1 أي اسأل يهود عصرك عن قضية القرية التي كانت تعيش على ساحل البحر.
ثمّ يقول: وذّكرهم كيف أنّهم تجاوزوا في يوم السبت القانون الآلهي ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ لأن يوم السبت كان يوم عطلتهم، وكان عليهم أن يكفوا فيه عن الكسب،وعن صيد السمك ويشتغلون بالعبادة ولكنهم تجاهلوا الأمر.
ثم يشرح القرآن العدوان المذكور بالعبادة بالعبارة التالية: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً﴾ فالأسماك كنت تظهر على سطح الماء في يوم السبت، بينما كانت تختفي في غيره من الأيام. ومن البديهي أنّ صيد الأسماك يشكل لدى سكنه ساحل البحر مورد لكسبهم وتغذيتهم،وكأن الأسماك بسبب تعطيل عمليه الصيد في يوم السبت صارت تحس بنوع من الآمن من ناحية الصيادين،فكانت تظهر على سطح الماء أفواجا أفوجاً،بينما كانت تتوغل بعيداً في البحر في الأيام الأخرى التي كان الصيادون فيها يخرجون للصيد.
إن هذا الموضوع سواء كان له جانب طبيعي عادي أم كان له جانب استثنائي والهي، كان وسيله لامتحان واختبار هذه الجماعة، لهذا يقول القرآن الكريم، وهكذا اختبرناهم بشيء يخالفونه ويعصون الأمر فيه ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
عندما واجهت هذه الجماعة من بني إسرائيل هذا الامتحان الكبير الذي كان متداخلاً مع حياتهم تداخلاً كاملاً، انقسموا إلى ثلاث فرق:
الفريق الأول: وكانوا يشكلون الأكثرية وهو الذين خالفوا هذا الأمر الإلهي.
الفريق الثاني: وكانوا على القاعدة يشكلون الأقلية وهو الذين قاموا تجاه الفريق الأول بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الفريق الثالث: وهم الساكتون المحايدون والذين لم يوافقوا العصاة، ولا قاموا بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي النهاية يشرح القرآن الحوار الذي دار بين العصاة، وبين الذين نهوهم عن ارتكاب هذه المخالفة فيقول: ﴿إِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ فأجابهم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر: بأننا ننهى عن المنكر لأننا نؤدي واجبنا تجاه الله تعالى وحتى لا نكون مسؤوليين تجاهه،هذا مضافاً إلى أننا نأمل أن يؤثر كلامنا في قلوبهم،ويكفوا عن طغيانهم وتعنتهم ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
وفي المآل غلبت عباده الدنيا عليهم وتناسوا الأمر الإلهي،وفي هذا الوقت نجينا الذين كانوا ينهون عن المنكر،وعاقبنا الظالمين بعقاب اليم منهم بسبب فسقهم وعصيانهم ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾.
ثم يشرح العقوبات هكذا: ﴿فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
كيف ارتكبوا هذه المعصية؟
وأمّا كيف بدأت هذه الجماعة عمليه التجاوز على هذا القانون الآلهي فقد وقع فيه كلام ويستفاد من بعض الروايات أنّهم عمدوا في البداية إلى ما يسمى بالحيلة الشرعية،فقد أحدثوا أحواضاً إلى جانب البحر،وفتحوا لها أبواباً إلى البحر،فكانوا يفتحون هذه الأبواب في يوم السبت فتقع فيها أسماك كثيرة مع ورود الماء إليها،وعند الغروب حينما كانت الأسماك تريد العودة إلى البحر يوصدون تلك فتحبس الأسماك في تلك الأحواض،ثم يعمدون يوم الأحد إلى صيدها،وأخذها من الأحواض، وكانوا يقولون: أن الله أمرنا أن لا نصيد السمك ونحن لم نصد السمك إنما حاصرناها فقط.
ويقول البعض: إنهم كانوا يرسلون كلاليبهم وصنارتهم وشباكهم في البحر يوم السبت،ثم يسحبونها يوم الأحد وقد علقت بها الأسماك،وهكذا كانوا يصيدون السمك حتى في يوم السبت ولكن بصورة ماكرة.
ويظهر من بعض الروايات الأخرى أنّهم كانوا يصيدون السمك يوم السبت دون مبالاة بالنهي الإلهي، وليس بواسطة أيه حيله.
ولكم من الممكن أن تكون هذه الروايات صحيحة أجمعها وذلك أنّهم في البداية استخدموا ما يسمى بالحيلة الشرعية،وذلك بواسطة حفر أخواض إلى جانب البحر،أو إلقاء الكلاليب والصنارات ثم لما صُغرت هذه المصيبة في نظرهم،جرأهم ذلك على كسر احترام يوم السبت وحرمته،فأخذوا يصيدون السمك في يوم السبت تدريجاً وعلناً واكتسبوا من هذا الطريق ثروة كبيره جداً.
* قصص القرآن / لآية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
قوم تبّع
((قصص قرآنية))
قال عز من قائل: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾1. ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾2.
مقدمة: لقد كانت أرض اليمن-الواقعة في جنوب الجزيرة العربية- من الأراضي العامرة الغنية، وكانت في الماضي مهد الحضارة والتمدن، وكان يحكمها ملوك يسمّون (تبّعا)- وجمعها تبابعة، أو لأنّ أحدهم كان يخلف الأخر ويتبعه في الحكم. ومهما يكن، فقد كان قوم تبع يشكلون مجتمعا قويا في عدته وعدده، ولهم حكومتهم الواسعة ومترامية الأطراف.
من هم قوم تبّع؟
لقد وردت كلمة تبّع في القرآن الكريم مرتين فقط: مرة في الآية (27) من سورة الدخان، وأخرى في الآية (14) من سورة (ق) حيث تقول ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾.
إن (تبعا) كان لقبا عاما لملوك اليمن، ككسرى لسلاطين إيران، وخاقان لملوك الترك، وفرعون لملوك مصر، وقيصر لسلاطين الروم.
وكانت كلمة (تبع) تطلق على ملوك اليمن من جهة أنهم كانوا يدعون الناس إلي إتباعهم، أو لأن أحدهم كان يتبع الأخر في الحكم.
ولكن يبدو أن القرآن الكريم يتحدث عن أحد ملوك اليمن خاصة كما أن فرعون المعاصر لموسى عليه السلام والذي يتحدث عنه القرآن كان معينا ومحددا وورد في بعض الروايات أن اسمه (أسعد أبا كرب).
ويعتقد البعض أنه كان رجلا مؤمنا، واتبروا تعبير (قوم تبّع) الذي ورد في آيتين من القرآن دليلا على ذلك، حيث أنه لم يذم في هذه الآيتين، بل ذم قومه والرواية المروية عن النبي صلى الله عليه واله شاهدة على ذلك ففي هذه الرواية أنه قال: (لا تسبّوا تبّعا فأنه كان قد أسلم).
تبّع بالقرب من المدينة:
وورد في رواية أخرى: إن تبعا لما قدم المدينة - من أحد أسفاره- ونزل بفنائها، بعث إلى أحبار اليهود الذين كانوا يسكنوها فقال: إني مخرب هذا البلد حتى لا تقومه يهودية، ويرجع الأمر إلي دين العرب.
فقال له شامول يهودي وهو يومئذ أعلمهم -أيها الملك أن هذا البلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسماعيل، مولده بمكة واسمه أحمد. ثمّ ذكروا له بعض شمائل نبّي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم فقال تبّع - وكأنّه كان عالما بالأمر ما إلي هذا البلد من سبيل، وما كان ليكون خرابا على يدي.
بل ورد في الرواية في ذيل تلك القصة أنه قال لمن كان معه من الأوس والخزرج: أقيموا بهذا البلد، فان خرج النبي الموعود فآزروه وانصروه، وأوصوا بذلك أولادكم حتى أنّه كتب رسالة أودعهم إياها ذكر فيها إيمانه بالرسول الأعظم صلى الله عليه واله.
تبّع في مكة:
ويروي صاحب أعلام القرآن أن تبعا كان أحد ملوك اليمن الذين فتحوا العالم، فقد سار بجيشه إلى الهند واستولى على بلدان تلك المنطقة. وقاد جيشا إلي مكة وكان يريد هدم الكعبة، فأصابه مرض عضال عجز الأطباء عن علاجه.
وكان من بين حاشيته جمع من العلماء، كان رئيسهم حكيما يدعى شامول، فقال له: إن مرضك بسبب سوء نيتك في شأن الكعبة، وستشفى إذا صرفت ذهنك عن هذه الفكرة واستغفرت، فرجع تبع عن ما أراد ونذر أن يحترم الكعبة، فلما تحسن حاله كسا الكعبة ببرد يماني.
وقد ورد قصة كسوة الكعبة في تواريخ أخرى حتى بلغت حد التواتر. وكان تحرك الجيش هذا، ومسألة كسوة الكعبة في القرن الخامس الميلادي، ويوجد اليوم في مكة مكان يسمى دار (التبابعة).
وعلى أيه حال، فان القسم الأعظم في تأريخ ملوك التبابعة في اليمن لا يخلو من الغموض من الناحية التاريخية، وحيث لا نعلم كثيرا عن عددهم، ومدة حكومتهم، وربما نواجه في هذا الباب روايات متناقضة، وأكثر ما ورد في الكتب الإسلامية-سواء كتب التفسير أو التاريخ أو الحديث-يتعلق بذلك الملك الذي أشار إليه القرآن في موضعين.
* قصص الأنبياء /اية الله مكارم الشيرازي.
من هم أصحاب الرس؟
((قصص قرآنية))
هناك أقوال كثيرة.
نقل حديث طويل عن أمير المؤمنين عليه السلام حول ( أصحاب الرس) خلاصته: إنهم قوماًَ يعبدون شجرة الصنوبر يقال لها (شاه درخت) كان يافث بن نوح غرسها بعد الطوفان على شفير عين يقال لها (روشن آب) وكان لهم أثنتا عشرة قرية معمورة على شاطئ نهر يقال له (الرّس)، يسمين بأسماء: آبان، آذر، دي، بهمن أسفندر، فرودين، أُردي بهشت، خرداد، مرداد، تير، مهر، شهريور، ومنها اشتق العجم أسماء شهورهم.
وقد غرسوا في كل قرية منها من طلع تلك الصنوبره حبّه، أجروا عليها نهراً من العين التي عند الصنوبره، وحرموا شرب مائها على أنفسهم وأنعامهم، ومن شرب منه قتلوه، ويقولون إنه حياة الآلهة فلا ينبغي لأحد أن ينقص حياتها. وقد جعلوا في كل شهر من ألسنه يوماً في كل قرية عيداً يخرجون فيه إلى الصنوبره التي خارج القرية يقدمون إليها القرابين ويذبحون الذبائح ثم يحرقونها في النار ويسجدون للشجرة عند ارتفاع دخانها وسطوعه في السماء ويبكون ويتضرعون والشيطان يكلمهم من الشجرة. وكان هذا دأبهم في القرى حتى إذا كان يوم عيد قريتهم العظمى التي كانوا يسكنونها ملكهم واسمها (أسفندر) اجتمع إليها أهل القرى جميعاً وعيدوّا اثني عشر يوماً، وجاءوا بأكثر ما يستطيعون من القرابين والعبادات للشجرة، وكلمهم إبليس وهو يعدهم ويمنيهم أكثر مما كان من الشياطين في سائر الأعياد من سائر الشجر ولما طال منهم الكفر بالله وعبادة الشجرة، بعث الله إليهم رسول من بني إسرائيل من ولد يهودا فدعاهم برهة إلى عبادة الله وترك الشرك، فلم يؤمنوا، فدعا على الشجرة فيبست، فلما رأوا ذلك ساءهم، فقال بعضهم: إنّ هذا الرجل سحر آلهتنا، وقال آخرون:إن آلهتنا غضبت علينا بذلك لما رأت هذا الرجل يدعونا إلى الكفر بها فتركناه وشأنه من غير أن نغضب لآلهتنا.
فاجتمعت آراؤهم على قتله فحفروا بئراً عميقاً وألقوه فيها، وسدوا فوهتها، فلم يزالوا عليها يسمعون أنينه حتى مات، فأتبعهم الله بعذاب شديد أهلكهم عن آخرهم.
* قصص القرآن / لآية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي.
لقمان الحكيم
((قصص قرآنية))
لقد ورد اسم "لقمان" في آيتين من القرآن في سورة لقمان، ولا يوجد في القرآن دليل صريح على أنَّه كان نبيًّا أم لا، كما أنَّ أسلوب القرآن في شأن لقمان يُوحي بأنَّه لم يكن نبيًّا، لأنَّه يُلاحظ في القرآن أنَّ الكلام في شأن الأنبياء عادةً يدور حول الرِّسالة والدَّعوة إلى التَّوحيد ومحاربة الشرك وانحرافات البيئة، وعدم المطالبة بالأجر والمكافئة، وكذلك بشارة الأمم وإنذارها في حين أنَّ أيًّا من هذه الأمور لم يذكر في شأن لقمان، والَّذي ورد هو مجموعة مواعظ خاصَّة مع ولده -رغم شموليَّتها وعموميَّتها- وهذا دليل على أنَّه كان رجلاً حكيمًا وحسب.
وفي حديث عن الرَّسول الأكرم صلى الله عليه واله: "حقًّا أقول: لم يكن لقمان نبيًّا، ولكن كان عبدًا كثير التَّفكُّر، حسن اليقين، أحبَّ الله فأحبَّه ومنَّ عليه بالحكمة".
وجاء في بعض التَّواريخ: أنَّ لقمان كان عبدًا أسود من سودان مصر، ولكنَّه إلى جانب وجهه الأسود كان له قلبٌ مضيء وروحٌ صافية، وكان يصدق في القول من البداية، ولا يمزج الأمانة بالخيانة، ولم يكن يتدخَّل في ما لا يعنيه.
واحتمل بعضٌ نبوَّته، لكن لا يوجد دليل على ذلك، بل لدينا شواهد واضحة على نقيض ذلك.
من أين كُلُّ هذه الحكمة؟
وجاء في بعض الرِّوايات: أنَّ شخصًا سأل لقمان: ألم تكن ترعى معنا؟ قال: نعم.
قال الرَّجل: فمن أين أتاك كُلّ هذا العلم والحكمة؟
قال: قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث والصَّمت عمَّا لا يعنيني.
وورد كذلك في ذيل الحديث الذي نقلناه عن الرسول الأكرم صلى الله عليه واله: "كان لقمان نائمًا نصف النَّهار، إذ جاءه نداء: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفةً تحكم بين النَّاس بالحقّ؟ فأجاب الصَّوت: إنْ خيَّرني ربِّي قبلت العافية، ولم أقبل البلاء، وإن عزم عليَّ فسمعًا وطاعةً، فإنِّي أعلم أنَّه إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني".
فقالت الملائكة دون أن يراهم: لِمَ يا لقمان؟
قال: لأنَّ الحكم أشدّ المنازل وآكدها، يغشاه الظلم من كلّ مكان، إن وقي فبالحريّ أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنَّة، ومن يكن في الدُّنيا ذليلاً وفي الآخرة شريفًا خيرٌ من أن يكون في الدُّنيا شريفًا وفي الآخرة ذليلا، ومن يخيِّر الدنيا على الآخرة تفته الدُّنيا ولا يصيب الآخرة.
فتعجَّبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومةً فأُعطي الحكمة، فانتبه يتكلَّم بها".
* قصص القرآن / لآية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي.